مقدمة

 

محاضرات ونشاطات

عقد المقاولة

إعداد

الأستاذ الدكتور وهبة مصطفى الزحيلي

أستاذ الفقه الإسلامي وأصوله

كلية الشريعة - جامعة دمشق

تقـديـم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه العُزّ الميامين، وبعد:

فقد برز في الساحة العمرانية في مجال القوانين المدنية عقد جديد من عقود العمل وهو عقد المقاولة الذي جرى العرف فيه على هذه التسمية، عوضاً عن (عقد الاستصناع) وعن (إجارة الأعمال) ما يسمى باستئجار الأجير، حرصاً على رفع شأن العامل والإعراض عن تسميته بالأجير الذي يثير الحساسية والدونية.

وصار عقد المقاولة شاملاً كل أوجه تقديم المهن الحرة في ميدان العمل والصناعة، وخضع هذا العقد للأحكام الخاصة بالاستصناع، والأجير المشترك، وجرى العرف والاستحسان والتقنين على استعمال كلمة ((البدل)) لتشمل الثمن في الاستصناع، والأجر في إجارة الأعمال، لأن الاستصناع بيع شرط فيه العمل، وعمل الأجير الخاص أو المشترك في نطاق التسمية القديمة وهي الإجارة على الأعمال في مقابل إجارة المنافع أشبه أيضاً بالبيع، لأن الإجارة ما هي إلا بيع المنفعة.

وهذا ما جرت عليه القوانين المدنية الإسلامية كالقانون المدني الأردني والإماراتي والسوداني والكويتيانتقل إلى الحاشية، وصارت هذه القوانين أقرب ملاءمة للحاجات الحاضرة، والتطورات الاقتصادية الحديثة، والأعراف الواقعية التي لا تتعارض مع آية قرآنية أو سنة نبوية، على الرغم من تعدد أشكال المقاولة وصورها، وكثرة التعاقد بموجبها، وتأثيرها في اقتصاد البلاد وفي أوضاع العاملين في هذا المجال. وقد استنار واضعو هذه القوانين بالقوانين المصرية والسورية والعراقية.

وحسناً كان اقتراح بحث المقاولة في دورة مجمع الفقه الرابعة عشر، فذلك يتفق مع أهمية هذا العقد الاقتصادية والاجتماعية، ويثير عدة مسائل تتطلب معرفة أحكامها الشرعية في ضوء الخطة الآتية:

خطة البحث:

- تعريف عقد المقاولة في النظم المدنية ونطاقها.

- تكييف عقد المقاولة في الفقه بحسب التزام المقاول.

أ- تقديم المقاول العمل والمواد (الاستصناع).

ب- تقديم المقاول العمل فقط (الإجارة على العمل).

- صور إبرام عقد المقاولة:

أ- عقد المقاولة مباشرة بين المقاول والمستفيد.

ب- عقد المقاولة من الباطن (المقاول الثاني).

جـ- عقد المقاولة مع تخلل مؤسسة مالية (عقد الاستصناع الموازي).

- صور تحديد البدل في المقاولة:

أ- تحديد البدل بمبلغ إجمالي، وهي الصورة النمطية.

ب- تحديد البدل بالتكلفة ونسبة ربح، حكم هذه الصور.

جـ- تحديد البدل على أساس سعر وحدة قياسية (متر مربع، متر مسطح..).

- حكم الإضافات والتعديلات.

- حكم تحديد الدفعات مع مراحل الإنجاز بدلاً من تواريخ محددة.

- أحكام المقاولة أو آثارها:

أولاً - التزامات المقاول.

ثانياً - التزامات صاحب العمل.

- انقضاء المقاولة.

- حكم الشرط الجزائي (مع الإحالة إلى قرار المجمع في الدورة الثانية عشرة).

- حكم البراءة من العيوب في المقاولة.

- حكم تحديد ضمان العيوب بمدة معينة، والبراءة بعدها.

- تعريف عقد المقاولة في النظم المدنية ونطاقها

اتفقت القوانين المدنية الإسلامية على تعريف عقد المقاولة بما يأتي:

المقاولة: عقد يتعهد أحد طرفيه بمقتضاه بأن يصنع شيئاً أو يؤدي عملاً لقاء بدل يتعهد به الطرف الآخرانتقل إلى الحاشية.

يدل هذا التعريف على أن المقاولة عقد معاوضة رضائي يلتزم فيه المقاول صناعه شيء كتمثال، أو أداء عمل كإقامة بناء وإشراف عليه، في مقابل التزام الطرف الآخر بتقديم بدل نقدي متفق عليه، إما شهرياً، وإما بنسبة معينة مثل (15 أو 10%) من النفقات الفعلية.

أما تقديم مواد العمل فقد نصت هذه القوانين عليها، ووصفت كيفية المقاولة وقصرتها على حالتين بحسب التراضي أو الاتفاق:

1- إما أن يتعهد المقاول تقديم العمل فقط، ويقدم صاحب العمل المادة المستخدمة أو المستعان بها في القيام بالعمل.

2- وإما أن يتعهد المقاول بتقديم المادة والعمل، أي المادة التي تدخل في تركيب المصنع أو البناء مثلاً، مع القيام بالعمل الفعلي القائم على تقديم الأدوات والمواد الأولية كالأسمنت والحديد وأدوات أو آلات المصنع، وتشغيل العمال وتقديم الأجرة لهم.

وفي الحالتين يجب في عقد المقاولة وصف المحل وبيان النوع والمقدار وطريقة الأداء، ومدة الإنجاز، وتحديد مقدار البدل المدفوع في مقابل هذه الخدمات.

وهذه الأحكام صحيحة تتفق مع أحكام الاستصناع في فقهنا، فقد عرف الحنفية الاستصناع بأنه عقد مع صانع على عمل شيء معين في الذمةانتقل إلى الحاشية، فتكون المادة والعمل من الصانع، وقد يكون العمل فقط هو المعقود عليه، لأن الاستصناع: طلب الصنع، وهو العمل.

وينعقد الاستصناع بالإيجاب والقبول من المستصنع والصانع، وهو عقد له شبهان: شبه بالسَّلمَ لأنه بيع لمعدوم، وأن الشيء المصنوع ملتزم عند العقد في ذمة الصانع البائع، ولكنه يختلف عنه في أنه لا يجب تعجيل الثمن فيه، ولا بيان مدة الصنع والتسليم، ولا كون المصنوع مما يوجد في الأسواق.

والشبه الثاني بالإجارة، لكنه يفترق عنها من حيث إن الصانع يصنع مادة الشيء المصنوع من ماله.

والاستصناع: انفرد الحنفية بالقول بجوازه على نحو فيه سماحة وسعة، استحساناً لتعامل الناس وتعارفهم عليه.

أما بقية المذاهب فأجازوه بنحو مضيق على أساس عقد السلم وعرف الناس، واشتراط شروط السلم فيه، ومنها تعجيل كامل البدل في مجلس العقدانتقل إلى الحاشية.

واتفق الجميع على أنه لابدَّ فيه من بيان جنس المصنوع ونوعه وقدره وصفته، لأنه مبيع، فلابدَّ فيه من كونه معلوماً، والعلم يحصل بما ذكر.

وقد أجاز الصاحبان من الحنفية عقد الاستصناع، سواء حدد فيه أجل أو لم يحدد، لأن العادة جارية بتحديد الأجل فيه.

- تكييف عقد المقاولة في الفقه الإسلامي بحسب التزام المقاول

تبين من تعريف المقاولة المتقدم، ومن بيان حالتي المقاولة أن المقاولة تتردد بين أن تدخل تحت ما يعرف في الفقه بعقد الاستصناع أو بعقد الإجارة على العمل.

أما حالة شبه المقاولة بالاستصناع وهو نوع من البيوع: فتكون في حالة تقديم المقاول لإنجاز تعهده أو التزامه المادة الأولية اللازمة كلها أو بعضها، والعمل أو الخبرة التي لابدَّ منها للتصنيع، وهكذا شأن الصانع في الاستصناع وهو الغالب عادة، حينما يلتزم بإنجاز شيء، والمادة من عنده، بالإضافة لعمله، كأن يصنع أبواباً لمنزل أو غيره، أو غرفة أثاث للنوم أو صالة الاستقبال، بحسب النموذج المتفق عليه، وتكون الأخشاب من عنده، وهو القائم بالعمل أو الخبرة المتخصصة لذلك.

وأما حالة شبه المقاولة بعقد الإجارة على العمل: فتظهر حين اقتصار التزام المقاول على تنفيذ العمل المتفق عليه، على أن يقدِّم رب العمل المواد اللازمة لذلك، سواء أكانت مادة مستهلكة يستخدمها المقاول، أم كانت مادة استعمالية يستعين بها المقاول في القيام بعمله، وهكذا شأن القائمين بإجارة الأعمال وهي: التي تعقد على عمل معلوم، كبناء وخياطة ثوب، وحمل إلى موضع معين، وصباغة ملابس، وإصلاح حذاء ونحوه. والمراد: الأجير المشترك أو العام وهو: الذي يعمل لعامة الناس كالصباغ والحداد والكواء ونحوهم، وليس الأجير الخاص أو أجير الوَحَد وهو: الذي يعمل لشخص واحد، لمدة معلومةانتقل إلى الحاشية.

لكن عقد المقاولة أصبح منفصلاً عن كل من عقد البيع أو الاستصناع، وعقد الإيجار، بعد أن كان مختلطاً بهما في المجلة، وصار عقد المقاولة عقداً ملزماً للجانبين ومن عقود المعاوضة، يقع التراضي فيه على العمل المطلوب تأديته من المقاول، وعلى المقابل الذي يتعهد رب العمل بأدائه.

وأصبح عقد المقاولة متميزاً عن عقدي العمل والوكالة، والذي يميز المقاولة عن عقد العمل هو: أن المقاول لا يخضع لإرادة رب العمل وإشرافه، بل يعمل مستقلاً طبقاً لشروط العقد المبرم بينهما، ومن ثَمّ فلا يعتبر المقاول تابعاً لرب العمل، ولا يسأل رب العمل عن المقاول مسؤولية المتبرع عن تابعه.

وأما ما يميز المقاولة عن الوكالة فهو: أن المقاول - وهو يؤدي العمل لمصلحة رب العمل - لا ينوب عنه وإنما يعمل مستقلاً عنه، على عكس الوكيل وهو الذي يقوم بالتصرف القانوني لمصلحة موكله، يكون نائباً عنه، ويمثّله في التصرف الذي يقوم به، فينصرف أثر هذا التصرف إلى الموكل.

والخلاصة: إن الفقه الذي صاغته المجلة يميز بين الاستصناع وهو نوع من البيوع الذي يقدم فيه الصانع العمل والعين (المادة) معاً غالباً، وبين استئجار أرباب الحرف والصناع، وهو إجارة على العمل، يقدم الأجير فيها عمله فقط، ويكون أجيراً مشتركاً إذا كان غير مقيد بأن يعمل للمستأجر فقط دون غيره.

أما القوانين الحديثة الآخذة بنظام عقد المقاولة: فجمعت بين الصورتين تحت لواء المقاومة، ففي كل من حالتي تقديم مواد العمل المتقدمتين، يكون العقد مقاولة، وليس إجارة في حالة تقديم المقاول العمل فقط، ولا استصناعاً في حالة تقديم المقاول العمل والمادة معاً.

وإذا قدَّم المقاول مواد العمل كلها أو بعضها، وجب أن تكون هذه المواد مطابقة للشروط والمواصفات المتفق عليها، فإذا لم تكن هناك شروط أو مواصفات، وجب على المقاول أن يتوخى في اختيار المواد أن تكون وافية بالغرض المقصود، وإذا لم تبين درجة المواد من حيث جودتها، ولم يكن استخلاص ذلك من العرف أو من ظرف آخر، التزم المقاول بتقديم مواد من صنف متوسط طبقاً للقواعد العامة، وعلى المقاول أيضاً ضمان المواد المقدمة وفقاً لأحكام الضمان في عقد البيع، لأنه يكون في هذه الحالة بائعاً للمواد التي يقدمهاانتقل إلى الحاشية.

وإذا كانت مواد العمل مقدمة من صاحب العمل، فإنه يجب على المقاول في هذه الحالة أن يحافظ على المواد المسلَّمة إليه، وأن يبذل في المحافظة عليها عناية الشخص، لأنه أمين عليها، فإذا أخل بهذه العناية كان مسؤولاً عن هلاكها أو ضياعها. وعليه أن يستخدم هذه المواد طبقاً لأصول الفن الصناعي، فيتجنب الإفراط والتفريط فيها، ويستعمل منها القدر اللازم لإنجاز العمل دون نقص أو زيادة، طبقاً لقواعد المسؤولية العقدية، فيكون عبء إثبات إهمال المقاول أو عدم بذله عناية الشخص العادي، أو بقصور كفايته الفنية في جعل المواد أو بعضها غير صالح للاستعمال يقع على رب العملانتقل إلى الحاشية.

- صور إبرام عقد المقاولة

تبين من استقصاء صور إبرام عقد المقاولة أنها ثلاث وهي ما يأتي:

أ- عقد المقاولة مباشرة بين المقاول والمستفيد:

هذه هي الصورة الغالبة الوقوع في إبرام عقد المقاولة وتنفيذه، حيث يتم الاتفاق مباشرة بين المقاول المنفِّذ، وبين المستفيد من إنجاز العمل، وحينئذ يسهل معرفة بنود الاتفاق، والتزامات المقاول التي ستذكر بعدئذ، وكذلك التزامات صاحب العمل أو المستفيد من العمل بمقتضى عقد المقاولة، وطبقاً للشروط الواردة فيه.

ولا تثير هذه الصورة غالباً إشكالات تتصادم مع طبيعة عقد المقاولة.

ب- عقد المقاولة من الباطن أو ما يسمى المقاول الثاني:

تقع هذه الصورة في الغالب في مقاولات المباني والإنشاء، حيث تتعدد الأعمال وتتشعب، فيتنازل المقاول الأول عن مهامه في التنفيذ إلى مقاول ثانٍ.

فإذا اتفق مقاول مع شخص آخر (صاحب العمل أو المستفيد) على أن يقوم له بعمل معين، فإذا شرط في العقد أن يقوم به بنفسه أو كانت طبيعة العمل تقتضي ذلك، فليس للمقاول أن يكل تنفيذ العمل كله أو بعضه إلى شخص آخر. وهذا حكم مقرر معروف في فقهنا في عقد الوكالة.

وإن لم يكن هناك شرط أو مقتضى طبيعة عمل، فللمقاول أن يتفق مع مقاول آخر على تنفيذ العمل كله أو بعضه، وتبقى مسؤولية المقاول الأول قائمة قِبل صاحب العمل، ولا يجوز للمقاول الثاني أن يطالب صاحب العمل بشيء مما يستحقه المقاول الأول إلا إذا أحاله على رب العملانتقل إلى الحاشية.

وتكون هذه المقاولة من الباطن صحيحة، وتنفذ في حق رب العمل، وتكون العلاقة فيما بين المقاول الأصلي والمقاول من الباطن علاقة رب عمل بمقاول، ينظمها عقد المقاولة من الباطن.

وهذا الحكم مأخوذ من فقه المذهب الحنفي في حالة الاتفاق مع الأجير على أن يعمل بنفسه أو كان العقد مطلقاً عن الشرطانتقل إلى الحاشية.

ويلاحظ أن مسؤولية المقاول الأصلي عن أعمال المقاول من الباطن هي: مسؤولية عقدية، تنشأ من عقد المقاولة الأصلي، وليست مسؤولية متبوع عن تابعه، فالمقاول من الباطن يعمل مستقلاً عن المقاول الأصلي ولا يعتبر تابعاً له. وتقوم هذه المسؤولية على افتراض أن كل أعمال المقاول من الباطن تعتبر بالنسبة إلى رب العمل أعمالاً صادرة من المقاول الأصلي، ومن ثم يكون مسؤولاً قِبله عنهاانتقل إلى الحاشية.

والأصل ألا تقوم علاقة مباشرة بين رب العمل وبين المقاول من الباطن إذ لا يربطهما أي تعاقد، فلا يطالب أيهما الآخر مباشرة بتنفيذ التزاماته، وإنما يكون للمقاول من الباطن طبقاً للقواعد العامة أن يرجع على رب العمل في خصوص البدل أو المقابل المستحق له قبل المقاول الأصلي، بطريق الدعوى غير المباشرة.

والخلاصة: إن القوانين الإسلامية أجازت للمقاول أن يقاول من الباطن في كل الباطن في كل العمل أو في جزء منه ما لم يمنعه من ذلك شرط في العقدانتقل إلى الحاشية أو تكون طبيعة العمل تتطلب الاعتماد على الكفاية الشخصية للمقاول، كأن يكون العمل محل المقاولة عملاً فنياً اعتمد فيه صاحب العمل على كفاية المقاول الشخصية في هذا العمل أو ما اشتهر عنه في أدائه، فعندئذ يتحتم أن يقوم المقاول بالعمل شخصياًانتقل إلى الحاشية.

جـ- عقد المقاولة مع تخلل مؤسسة مالية:

أفرزت الحياة الاقتصادية أنشطة استثمارية غير مباشرة، منها هذه الصورة، بأن تلتزم مؤسسة مالية ببناء عمارة شاهقة، أو مصنع كبير، أو سفينة أو سفن أو طائرات ونحو ذلك، لكنها لا تقوم بنفسها بالإشراف على التنفيذ، وإنما تتفق مع جهة أخرى متخصصة تنفذ المشروع حسب المواصفات والشروط التي التزمتها من حيث البدل والمدة ويكون لها هامش ربح، بشرط انفصال أو استقلال عقد المقاولة الثاني عن العقد الأول.

وهذا سائغ شرعاً على أساس ما يعرف بالاستصناع الموازي، ويمكن قبوله في القوانين الإسلامية تحت مظلة عقد المقاولة من الباطن.

والاستصناع الموازي: عقد جديد مستقل عن عقد الاستصناع الأول، يحقق المطلوب في العقد الأول ويراعي المواصفات المتوافقة مع العقد الأول، مع ملاحظة زمن التسليم المحدد فيهما. ويتمكن الطرف الثالث من تنفيذ مقتضى أو موجب العقد الثاني بصفته بائعاً، مما يستحق له بالعقد الأول بصفته مشترياً. ويتم تسليم المصنوع بصفة جزئية أو متدرجة في مواعيد معلومة، ولا مانع من هذا شرعاً، وإذا لم ينفذ الطرف الثالث موجب العقد لسبب طارئ وجب عليه أداء موجب العقد في أي جهة أخرى تصنع المصنوع، وبعد التأخر في التسليم سبباً للتعويض على أساس الشرط الجزائي المشروع في أداء عمل، وغير المشروع في تسليم النقود.

- صور تحديد البدل في المقاولة

يتم تحديد البدل في عقد المقاولة الذي يشمل الثمن في الاستصناع، والأجر في إجارة الأعمال بالتراضي المتبادل بين العاقدين، الذي هو الأساس الذي تقوم عليه العقود المختلفة، قال الله تعالى: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 4/29] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما البيع عن تراض))انتقل إلى الحاشية.

وأشكال التراضي ثلاثة:

أ- تحديد البدل بمبلغ إجمالي

هذه هي الصورة النمطية التي تتم عادة أو غالباً بين أصحاب الأعمال وبين المقاولين، فيجري تحديد البدل بمبلغ مقطوع مقابل إنجاز البناء في مدة معينة، أو تركيب المصنع، أو تصنيع الحافلة أو الطائرة أو السفينة ونحو ذلك من أشكال المقاولة وصورها التي كثر الاعتماد عليها، وزاد حجمها زيادة واسعة لها أثرها في اقتصاد البلاد وفي أوضاع العاملين في قطاع التعمير والإنشاء والتصنيع، مما جعل المقاولة ذات أهمية اقتصادية واجتماعية. وتتحقق مصلحة الطرفين المتعاقدين بالاتفاق على وفاء البدل تدريجاً كل فترة زمنية أو بحسب إنجاز قدر معين من العمل، يدخل فيه هامش الربح الذي يحصل عليه المقاول. وهذا جائز من غير شك، لاعتماده على التراضي أو الاتفاق.

نصت المادة (795/1) من القانون الأردني والإماراتي (م887) على ما يأتي:

((إذا وقع عقد المقاولة بموجب تصميم متفق عليه لقاء بدل إجمالي، فليس للمقاول أن يطالب بأية زيادة في الأجر يقتضيها تنفيذ هذا التصميم)).

ب- تحديد البدل بالتكلفة ونسبة ربح

قد يتم إبرام عقد المقاولة على أن يحدد البدل بمقدار التكلفة الفعلية للمشروع بعد إنجازه مع إضافة نسبة ربح مئوية مثل (10 أو 15%) أو أكثر من ذلك من التكلفة الواقعية. وتحسب التكلفة بحسب الفواتير التي يقدمها المقاول لصاحب العمل، ويضم إليها نسبة الربح، وهذا جائز شرعاً بحسب المقرر في المذهب الحنبلي من مشروعية إعطاء نسبة مئوية من الربح في شركة المضاربة.

قال ابن قدامة:

أجمع أهل العلم على أن للعامل أن يشترط على رب المال ثلث الربح أو نصفه أو ما يجمعان عليه، بعد أن يكون ذلك معلوماً جزءاً من أجزاء، ولأن استحقاق المضارب الربح بعمله، فجاز ما يتفقان عليه من قليل المال وكثيره، كالأجرة في الإجارة، وكالجزء من الثمرة في المساقاة والمزارعةانتقل إلى الحاشية.

وفي الإجارة وإن كان الشرط كون الأجرة معلومة غير مجهولة بلا خلاف بين العلماء، لكن أجازه الحنابلة بجزء من نماء العمل. قال ابن قدامة: فإن قيل فقد جوزتم دفع الدابة إلى من يعمل عليها بنصف ربحها، قلنا: إنما جاز ثَمَّ، تشبيهاً بالمضاربة، لأنها عين تنمى بالعمل، فجاز اشتراط جزء من النماء، والمساقاة كالمضاربة، وهو قول الشافعي أيضاًانتقل إلى الحاشية.

جـ - تحديد البدل على أساس سعر وحدة قياسية (متر مربع، متر مسطح..)

لا مانع شرعاً أيضاً من تحديد البدل المستحق للمقاول على أساس الإنجاز الجزئي، كسعر وحدة قياسية، مثل متر مربع أو متر مسطح، أو مقدار مساحة بأصول معينة متعارف عليها بين الصناع أو المقاولين. لأنه إذا جاز تحديد البدل بالتكلفة غير المعلومة سلفاً في مقدارها الكلي بنحو دقيق، كما تقدم، جاز تحديد البدل بمقدار ما ينجز جزئياً، لارتباط تقدير البدل بعمل معلوم محدَّد بوحدة قياسية متفق عليها بين العمال وأرباب العمل، لأنه لا يثير منازعات أو مشكلات فتصير كل وحدة قياسية لها بدل معلوم، ومرجع الجواز في هذه الصورة والتي قبلها هو العرف والعادة في التعامل الشائع أو الدارج بين الناس دون أن يصادم ذلك نصاً شرعياً على القرآن والسنة النبوية.

نص القانون الكويتي (م886) على ما يأتي:

1- إذا كان العمل مكوناً من عدة أجزاء أو كان المقابل محدد على أساس الوحدة، جاز للمقاول أن يستوفي من المقابل بقدر ما أنجز من العمل بعد معاينته وتقبله، على أن يكون ما تم إنجازه جزءاً متميزاً أو قسماً ذا أهمية كافية بالنسبة إلى العمل في جملته، وذلك ما لم يتفق على خلافه.

2- ويفترض فيما دفع المقابل عنه: أنه قد تمت معاينته وتقبله، ما لم يثبت أن الدفع كان تحت الحساب.

- حكم الإضافات والتعديلات:

مما لا شك فيه أن كل إضافة أو تعديل على التصميم المتفق عليه لا يلزم به المقاول، إلا إذا وجد اتفاق جديد على الدليل المستحق لهذه الإضافات أو التعديلات.

وقد نصت القوانين المدنية الإسلاميةانتقل إلى الحاشية على استثناء زيادة المقابل في حالتين:

الأولى: حالة تعديل التصميم أو زيادة التكاليف لسبب يرجع إلى رب العمل، كأن يقدم معلومات خطأ عن الأبعاد التي يريدها للبناء أو يتأخر في الحصول على الترخيص، أو في تقديم الأرض التي يتم البناء عليها، فينجم عن ذلك تحميل المقاول بنفقات أو تكاليف إضافية، وهذا حق وعدل؛ لأن صاحب العمل هو المتسبب في التعديل، ويرجع ذلك إلى فعله.

الثانية: إذا حدث في التصميم تعديل أو إضافة بإذن أو رغبة صاحب العمل وهذا أيضاً عذر مقبول لأن التعديل نشأ عن إذن صاحب العمل، فعليه دفع زيادة التكلفة وبدل أو مقابل العمل الذي يقوم به المقاول.

وهناك حالة ثالثة خاصة وهي:

حالة إقامة بناء أو إنشاء على أرض مقدمة من صاحب العمل إذا كانت تشوبه عيوب تبلغ من الجسامة حداً يجعله غير صالح للاستعمال المقدر له، ويقتضي الأمر إزالته، والإزالة قد ترتب أضراراً بالغة للمقاول، فلا يكون لصاحب العمل إلا طلب إنقاص المقابل، أو إلزام المقاول بإصلاح العيب إن كان ممكناً دون إزالة البناء أو الإنشاء، وكل ذلك دون إخلال بالحق في التعويض إن كان له مقتضانتقل إلى الحاشية.

والخلاصة:

إن حكم الإضافات والتعديلات هو إلزام صاحب العمل بها، ولا يتحمل المقاول عبء الإضافة أو التعديل، لأن ذلك زائد عن مضمون المقاولة المتفق عليه.

- حكم تحديد الدفعات مع مراحل الإنجاز بدلاً من تواريخ محددة:

قد يجد صاحب العمل أن أداء الدفعات المالية بحسب مراحل إنجاز العمل يضمن له سرعة الإنجاز في الوقت المحدد، بدلاً من ربط الدفعات بأوقات زمنية محددة، فتتحقق مصلحته، ويطمئن إلى أن سير خطة التنفيذ على نحو أفضل وأحكم وأضمن. وهذا جائز شرعاً لا إشكال فيه، لأن الدفعات قد تكون كما تقدم على أساس سعر وحدة قياسية معينة، أو بحسب مقدار الإنجاز في أعمال المشروع، لأن أساسه التراضي الذي لا يتصادم مع مقتضى العقد.

يتبع ...

عودة إلى موضع الحاشية انظر المذكرات الإيضاحية لهذه القوانين.

عودة إلى موضع الحاشية انظر (م 661) كويتي، (م780) أردني، (م872) إماراتي.

عودة إلى موضع الحاشية البدائع 5/2، الفتاوى الهندية 4/504، فتح القدير 5/355، الدر المختار ورد المحتار (حاشية ابن عابدين) 4/222، مجلة الأحكام العدلية: المواد 388، 390، 391، 421، 463، 562.

عودة إلى موضع الحاشية الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 3/216، الأشباه والنظائر للسيوطي ص89، المغني لابن قدامة 4/276.

عودة إلى موضع الحاشية البدائع 4/174، تكملة فتح القدير 7/200، تبيين الحقائق للزيلعي 5/133 وما بعدها.

عودة إلى موضع الحاشية المذكرة الإيضاحية للقانون المدني الكويتي ص483-484.

عودة إلى موضع الحاشية المرجع السابق ص484 وما بعدها.

عودة إلى موضع الحاشية انظر (م 890-891) إماراتي، (798-799) أردني، (680-683) كويتي.

عودة إلى موضع الحاشية المجلة (م571-573)، مرشد الحيران (م621، 626، 627) العقود المسماة في قانون المعاملات المدنية الإماراتي والقانون المدني الأردني، وهبة الزحيلي ص280.

عودة إلى موضع الحاشية المذكرة الإيضاحية للقانون الكويتي ص495 وما بعدها، وللقانون الأردني 586 وللقانون الإماراتي ص801.

عودة إلى موضع الحاشية وهذا يوافق في الجملة ما نصت عليه المجلة في المواد (571-573) ومضمونها أن الأجير الذي استؤجر على أن يعمل بنفسه ليس له أن يستعمل غيره، لكن لو أطلق العقد حين الاستئجار، فللأجير أن يستعمل غيره.

عودة إلى موضع الحاشية المذكرة الإيضاحية للقانون الكويتي، المرجع والمكان السابق.

عودة إلى موضع الحاشية حديث حسن رواه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

عودة إلى موضع الحاشية المغني 5/26-27.

عودة إلى موضع الحاشية المرجع السابق 5/405، لكن لم يجز الحنابلة استئجار راع لغنم بثلث درها ونسلها وصوفها وشعرها أو نصفه أو جميعه، لأن النماء الحاصل في الغنم لا يقف حصوله على عمله فيها، فلم يمكن إلحاقه بذلك.

عودة إلى موضع الحاشية القانون المدني الكويتي (م690)، الأردني (م795/2)، الإماراتي (م887) والمذكرات الإيضاحية لهذه القوانين.

عودة إلى موضع الحاشية (م691) مدني كويتي.