|
محاضرات ونشاطات |
|
الفقيه المفكر
د. وهبة الزحيلي في بحث: موسى الأنصاري - مكة المكرمة قال الفقيه المفكر الإسلامي د. وهبة الزحيلي عضو مجمع الفقه الإسلامي وعضو هيئة التدريس في جامعة دمشق، إن العولمة التي بدأت تظهر في الثمانينيات الميلادية ما هي إلا مظلة جديدة لهيمنة الأقوياء على الضعفاء بمظهر جديد للاستعمار بمفهومه الاقتصادي العلمي وصورة لأحد أشكال النظام الرأسمالي الدولي الذي نشأ لخدمة مصالح القوى الرأسمالية. وقال الزحيلي: إن للعولمة مفاهيم ومظاهر ووسائل ومجالات يسعى أصحابها كي تشمل مجالات الحياة الإنسانية والذي يهمنا هو أخلاق العولمة ذات المفهوم التغريبي فهي تتمثل في كونها مادية طاغية ومنطقية من فلسفة ملحدة علمانية لا تعرف الإيمان بالله الخالق الواحد، وعنصرية بغيضة لا يهمها إلا ذاتيتها بالإضافة إلى عنصرية الصهيونية وعولمتها ذات الأهداف لتخريبية والإفساد لمعظم المجتمعات البشرية، وهي تنبع من نزعة استكبارية واستعلاء وغطرسة لا حدود لها، وتتنصل من كل القيود الإنسانية والأخلاقية أو إلغاء الوجود للآخرين دينياً وثقافياً واجتماعياً وسلوكياً واقتصادياً وسياسياً، أي إن العولمة هي مرحلة ما بعد الإمبريالية في حياة الرأسمالية العالمية المعاصرة. وقال فضيلته: وباستحضار ما جاء به الإسلام من مبادئ عالمية يكون من المفيد القول بأن العولمة أو العالمية الإسلامية تتميز عن العولمة الحالية بكثير من الخصائص سواء من حيث المضمون أو من حيث الغاية والهدف.. وأضاف: وهي بإيجاز تقوم على العقيدة الجامعة لكل خير وفضيلة لأنها عقيدة التوحيد الخالص المنزه عن كل شرك ووثنية وضلال، والنابع من الفطرة المنسجم مع العقل والعلم وسهولة الإقناع والداعي إلى الحوار الهادي والتفكير المتوازن والمحقق للراحة النفسية والطمأنينة {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 13/28]، وملازمتها للرحمة العامة بالعلم دون تمييز بسبب لون أو عرق أو جنسية أو دين أو عنصرية أو إضمار حقد أو محاولة إكراه أو قسر للآخرين {وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ} [الأنبياء: 21/107] {لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 2/256]. وترفعها عن الأطماع المادية أو الاقتصادية أو سلب ثروات الأمم والشعوب وإنما تحرص على إغناء الناس ورفاهيتهم وتحسين ظروفهم المعشية قال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز: ((إن الله بعث محمداً بالحق هادياً ولم يبعثه جابياً)) ومن هذه الأهداف أحقاقها الحق ومقاومة الباطل، فلا تمس حقاً للآخرين في الدماء والأنفس والأعراض والأموال (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركين). ومن ذلك معاملتها جميع الناس على أساس ثابت وأصيل في العدل والإحسان والتسامح والحرية والمساواة في كل شيء ومن القيم الإنسانية والتكاليف أو الالتزامات {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 16/60]، وقال الله تعالى في الحديث القدسي: ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)). ومن ذلك احتضانها كل القيم الإنسانية العليا التي تنظم المجتمع الإنساني على أساس التعاون والتضامن والسلم والأمان والمحبة والاستقرار والتزام الفضائل والأخلاق وضبط السلوك الإنساني بما يكفل كرامة الإنسان وينمي وشائج الاتصال والود والتعامل الطيب بين الجميع {يا أَيُّها النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 49/13]. {وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 17/70]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) وهذا إعلان صريح بحقوق الإنسان على نحو أصيل لا يخدش سواء في حال السلم أو في حال الحرب وتنظيم للعلاقات الدولية على أساس من المعاهدات المتكافئة {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ} [النحل: 16/91]. ومن خصائص العالمية الإسلامية تنمية عوامل النهضة والتقدم والبناء والتمدن والحضارة والعمران. جريدة المدينة عدد 17 أيار/مايو 2002م |