مقدمة

 

محاضرات ونشاطات

حوار مع مجلة الفرقان

الأستاذ الدكتور وهبة مصطفى الزحيلي أحد العلماء البارزين والمعدودين في مجال الفقه وأصوله، كان عميداً لكلية الشريعة في جامعة دمشق، ورئيساً لقسم الفقه الإسلامي ومذاهبه في جامعة الإمارات، اشتغل على مدى أربعين سنة في التدريس والتعليم والتأليف، وصدرت له بحوث ومؤلفات زهاء (500) عنوان، منها موسوعات ثلاث في الفقه الإسلامي وأدلته في (11) مجلداً، والتفسير المنير للقرآن الكريم (32) جزءاً في (16) مجلداً، وأصول الفقه الإسلامي (مجلدان كبيران)، وشارك الدكتور الزحيلي في أكثر من مئة مؤتمر، له نشاط واضح في نشر الدعوة الإسلامية، والعناية بعرض الإسلام عرضاً نموذجياً حديثاً يتفق مع ظروف العصر. وهو الآن رئيس هيئة رقابة شرعية في بعض البنوك الإسلامية في البحرين، وعضو المجامع الفقهية في أمريكا وجدة والهند والسودان، وهو الآن رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بجامعة دمشق منذ سنة 1989م، التقيته في جامعة دمشق وكان معه هذا الحوار.

الفرقان: نرحب بكم على صفحات مجلة الفرقان.

د. الزحيلي: أهلا وسهلاً بكم.

الفرقان: لقد أهديتم المكتبة القرآنية ثلاثة تفاسير هي: المنير والوسيط والوجير. ما ميزه كل واحد منها؟ وبماذا تختلف عن بعضها؟

د. الزحيلي: هذه التفاسير على مستويات ثلاثة، يأخذ الإنسان منها ما يتناسب مع ثقافته، ومن أراد الإلمام بجميع ما يتعلق بالتفسير من لغة وبلاغة ونحو وصرف وأسباب نزول ومناسبات للآيات والسور وقصص القرآن وبيان الأحكام وما يستنبط من هذه الآيات من آداب وتوجيهات وتشريعات، فعليه بالتفسير المنير الذي يمكن فيه الاستغناء عن كل ما كتب في التفسير قديماً وحديثاً، وأما التفسير الوسيط الذي أذعته على مدى ثلاث سنوات في الإذاعة السورية كل يوم، ثم صار في يوم دون يوم، فهو أبسط أيضاً من ((المنير)) على الرغم من بساطة الأسلوب في كل منهما، لكن حرصت على أن يكون هذا التفسير لمتوسطي الثقافة من خلال تبسيط الكلمات وتوضيح الآيات وربط بعضها ببعض وتأييدها بالأحاديث النبوية، أما التفسير الوجيز فهو التفسير المختصر الذي لا يحتاج إليه أكثر من هذا القدر، وهو لأغلب الناس (فئة العوام) بحيث يقرؤون الآية ثم يجدون برقمها تفسيراً لها مع سبب النزول يوضح مدلول الآية بحيث تدفعه إلى إدراكها والعمل بها وتطبيق مقتضاها دون استطراد ودون إخلال بالمعنى كذلك، وقد ترجم تفسيرا المنير والوجيز لأكثر من لغة، والوسيط على الطريق حيث يعتبر أحدث هذه التفاسير.

الفرقان: هذه التفاسير الهامة التي ذكرتم نبذاً عنها تجعلنا نتوجه لفضيلتكم بهذا السؤال: ما السبيل إلى فقه القرآن الكريم الذي من خلاله تتشكل شخصية المسلم العلمية والعملية؟

د. الزحيلي: من المؤكد أنه ما من مسلم عالم كان أو غير عالم، فقيهاً كان أو غير فقيه، إلا ومصدره الأساسي في التعرف على الأحكام الشرعية هو كتاب الله جل جلاله ثم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن الفقه بالمعنى العام الذي يشمل العقيدة والشريعة والآداب والأخلاق والسلوك وسير الحياة والاقتصاد والسياسة والاجتماع، هذا المعنى العام للفقه كان هو السائد في عهد الصحابة وعهد التابعين، ثم تخصص الفقه في بيان الأحكام العملية الشرعية في القرن الثاني الهجري حينما بزغ فجر المذاهب الإسلامية، فانفصل الفقه وصار علماً مستقلاً قائماً بذاته مقصوراً على مجموعة الأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية في العبادات والمعاملات وعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها وقضايا الزواج والطلاق والمواريث، هذا جعل الفقه المتخصص في هذا الجانب له هذا المدلول، لكن أنا أردت في كتابي ((التفسير المنير)) أن أسير على النهج الفقهي بالمعنى العام، لأن المسلم لا يصح أن ينفصل بعض معلوماته ومعارفه عن بعضها البعض، ولذلك لم اقتصر في كتابي (التفسير المنير) على هذا الأفق الضيق وإنما شمل كل آفاق الأحكام الشرعية من الآداب والسياسة بحيث يكون سبيلاً لإيجاد الشخصية الإسلامية المتكاملة، فإذن نحن في عصرنا الحاضر ما زلنا بأشد الحاجة إلى مثل هذا النوع من التفسير ومن زلنا بأشد الحاجة إلى مثل هذا النوع من التفسير ومن الفقه العام الذي تربي فيه شخصية المسلم بالإضافة إلى تسليحه بكثير من الأحكام الشرعية التي ترشد إلى بيان الحكم الذي ينبغي أن يسير عليه في حياته دون اقتصار على العاطفة كما يفعل بعض الناس، إذ يظنون إن الإسلام إنما هو بالعاطفة والحماس والمديح وغير ذلك. نحن نريد للمسلمين قاطبة سواء الدعاة منهم أو غير الدعاة أن يكونوا علماء قبل كل شيء لا أن يكونوا مجرد عواطف تفور فترة من الزمان وتؤدي إلى تحميس الناس كخطب الجمعة ثم يتبخر كل ذلك، نريد أن نسلح المسلم بقيم ذاتية وبأصول صحيحة لفهم الحياة وبضوابط رشيدة وتوجيهه نحو الطريق الصحيح الذي يريده الحق جل جلاله، ولذلك لابد من العودة إلى فقه القرآن والسنة، ولا نستغني عن فقه المذاهب لأنه أيضاً مستمد من القرآن والسنة، خلافاً لما يزعم بعضهم، وحينئذ تكون الشخصية المتوازنة للمسلم والمسلمة، وكثير من الناس يقتصرون من الإسلام على قضية العبادات، وينغمسون في الحرام إلى الأذقان - خصوصاً التجار - فيما إذا اصطدمت مصالحهم تراهم يحجون ويصومون ويصلّون ولكنهم منغمسون في أحكام الربا وفي المحرمات، ويفضلون الحياة عن العبادة، وهذا عين الخطأ وعين الضلال.

الفرقان: يقال إن الفقه الإسلامي بحاجة إلى تجديد، هل الفقه الإسلامي لا يستوعب مقتضيات العصر أم ماذا؟ باعتباركم مختصاً بالفقه، كيف ترون ذلك؟

د. الزحيلي: صدر لي كتاب حول هذا الموضوع (تجديد الفقه الإسلامي)، وبحثت هذه الرغبة الظاهرة التي يتعلق بها بعض الناس السذّج والذين هم لا يعرفون من الفقه شيئاً ويريدون - تأثراً برغبات الشباب - تجديد كل شيء. الإسلام هذا شرع الله ودينه، وأحكامه منها الثوابت ومنها المتغيرات، فالثوابت هذه لا مجال لتغييرها وتبديلها فهي شرع الله أحكم الحاكمين، ولا يملك أحد في الدنيا أن يغيّر جزءاً من هذه الأحكام لأنها أساس بقاء الشريعة وخلودها إلى يوم القيامة، وهناك زاوية أخرى من الأحكام الأصلية على مسايرة العرف ومراعاة المصالح الزمنية وأحوال القياس والمصالح المرسلة، هذه يمكن أن تتغير بتغير الزمان والمكان، وتتجاوب مع مقتضيات الحياة، وحينئذ الجمع بين الثوابت والمتغيرات هو الذي يحقق لهذه الشريعة خلودها وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وهؤلاء الذين يدعون إلى تجديد الفقه الإسلامي لا يدركون حقيقته، إنه نظام للحياة الإنسانية برمتها، والدليل على ذلك أن غير المسلمين منذ مؤتمر لاهاي في عام 1937 وفي مؤتمر باريس عام 1951م ومؤتمرات عمداء كليات الحقوق في السبعينيات والثمانينيات في القاهرة وبيروت والرياض، كلهم أجمعوا على أن الشريعة الإسلامية - يريدون بها الفقه لا العقيدة - شريعة حية صالحة لكل زمان ومكان وأنها من مصادر التشريع العالمية الكبرى، وأنها تصلح للتطبيق. هذا الحكم دليل على أن هؤلاء بعقليتهم القانونية الفذّة أدركوا ما في هذا الفقه من عظمة ونظام شامل لكل أنواع الحياة ومجالاتها، فالدعوة إلى تجديد الفقه، على هذا الإطلاق، دعوة غير سليمة، لأنهم حينما يريدون التجديد فكان الإسلام فيه قديم وجديد، الإسلام لا قديم فيه ولا جديد، والتجديد بمعنى هدم ما كان بالسابق وبناء شيء جديد هذا يمكن أن يقال في القوانين الوضعية، أما الفقه الإسلامي فلا يقبل ذلك.

الفرقان: ما رأيكم بالأمور التي تجدّ في عصرنا ولم يتطرق إليها الفقه الإسلامي فهناك اجتهادات وخلافات فقهية متعددة وفي مواضيع مثل: توقيت البدء بالصيام، وقضايا معاصرة مثل التأمين والأسهم والسندات والمحافظ الاستثمارية وعلى صعيد المصارف الإسلامية أيضاً.

د. الزحيلي: هذه الأمور نغطيها بما يسمى بالاجتهاد الجماعي الآن. هناك مجمع البحوث الإسلامية في مصر، والمجمع الفقهي في مكة المكرمة، ومجمع الفقه الإسلامي في الهند، هذه المجامع - التي أنا عضو فيها كلها - تتبنى قضايا 90% منها اقتصادية حديثة من مثل ما ذكرت، أو علوم طبية أو علوم فلكية أو علوم كيماوية، كل ذلك نحن نتجاوب مع العصر فيما هو مسموح لنا أن نتجاوب فيه، ونجتهد ونجدّد فيه، نطبق قواعد الشرع وأصوله ومقاصد هذه الشريعة من الحفاظ على الدين والنفس والعقل والنسب والعرض والمال، ولكن هناك من لا يعرف ولا يطلع على قرارات هذه المجامع - والتي صدرت عنها منذ أكثر من عشرين سنة - في تلك القضايا المعاصرة بسبب أن الدول الإسلامية التي تبلّغ بهذه القرارات تحبسها في الأدراج ولا تسهم في نشرها، الناس يظنون أننا جامدون على القديم لا نتجاوب مع الحديث، هذه تهمة باطلة، ونحن نوجد البدائل، ففي جانب المصارف الإسلامية أوجدنا عشرات البدائل حتى لا تنغمس هذه المصارف في المحرمات والربا وفي عقود باطلة أو فاسدة، ونجحت هذه المصارف ولله الحمد. وهي - أي المصارف - تحقق نفس الأنشطة التي تقوم بها البنوك العادية وشركات التأمين ولكن بالطريق المباح، وقد يظن بعض الجهلة أن النتيجة واحدة، ولكن الواقع أن هناك فرقاً بين أن نسلك طريقاً حلالاً يكون العقد فيه صحيحاً والكسب مباحاً ويكون - ما يسمونه - بالفوائد حراماً، وبين أن ننغمس في مبدأ العمل بعقد فاسد أو باطل إذن نحن نملأ الساحة بهذه الاجتهادات الجديدة، وإن أردتم الاطلاع على كتابي في هذا الموضوع، الذي ذكرته آنفاً - تجدون فيه الغنية.

الفرقان: يقال إن الفقه السياسي الإسلامي في حالة تدهور من بداية المجتمع الإسلامي الأول بدءاً بالفتنة الكبرى ومروراً بتوطيد الملكيات الوراثية وانصراف الفقهاء عن السياسة وانتهاء بتعطيل الاجتهاد وإغلاق بابه، هل هذا دقيق؟ وإن كان كذلك إلى ماذا يُعزى ذلك؟

د. الزحيلي: هذه حقيقة تاريخية ينبغي أن ندرك أسبابها وبواعثها وغاياتها، وليست بهذا الشكل المشوّه الذي يراد به طعن المسلمين في حضارتهم وفي قيمهم وفي فقههم السياسي وفي تفاعلهم وفي أدائهم الدور المطلوب منهم، صحيح أن أنسب وجود للفقه السياسي كان في عهد الراشدين ثم انحدر قليلاً في الخلافات المتعاقبة، لكن هذا الانحدار القليل لم يكن على الإطلاق ملحقاً ضرراً في الأسس الكبرى التي قام عليها الإسلام فظلت هيمنة الدولة وقوتها وصلابتها أمام الأعداء حتى إلى ما قبل حادث انحطاط الخلافة العثمانية في أواخر أمرها، كل هذه أدت دوراً مشرفاً في الفقه السياسي، والعلماء كانوا دائماً يعيشون مع هذا التوجه، وقضية إغلاق باب الاجتهاد هذه كانت مجرد نظرية لعلاج فوضى مؤقتة في أواخر القرن الرابع الهجري حيث اندسّ في المسلمين أناس ليسوا أكفياء، وليسوا على المستوى في فهم الإسلام، وأرادوا تقويض الإسلام من الداخل فكان أن أغلق العلماء باب الاجتهاد أمام هذه الفئة الداعية التي لا تحسن الاجتهاد، ولكن هذا لا يعني أن أصل الحكم وجوب الاجتهاد في كل عصر وفي كل زمان ومكان، وهذا هو الإمام السيوطي في القرن العاشر الهجري (911) له كتاب طريف اسمه ((الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فر))، فإن إغلاق باب الاجتهاد لم يحل بين العلماء وبين أداء دورهم لا بعد القرن الرابع الهجري ولا في كل عصر. صحيح بعد زوال الاستعمار وتفرق الأمة الإسلامية والتي أصبحت في الأمم المتحدة (57) دولة، وأحلت القوانين الوضعية محل قوانين الشريعة الإسلامية وأحكامها، وابتداء من النصف الثاني من هذا القرن بعد إلغاء الخلافة الإسلامية على يد اليهودي الأصل أتاتورك، وُجد هذا البعد والغربة بين الإسلام وبين واقع الحياة سواء في الأفق السياسي أو الاقتصادي أو غيره، فالأمة عانت من الاستعمار وأرادت أن تعود إلى دينها في شكل ما سمّي بالصحوة الإسلامية في العشرين سنة الأخيرة، هذا التوجه الطيب لفهم الإسلام الذي لا يرتضيه الغرب والذي لا يريد للمسلمين أن يقفوا على أقدامهم أمام التحديات التي يسمونها حضارية وهي بالنسبة لنا تحديات تدميرية، وإن كنا نخطئ وتعيب بعض الوجود الواقعي بأشكاله المتعددة ، فلا يعني ذلك أننا لا ندرك أهداف الإسلام ومراميه، وأن الغابة الخبيثة التي يسعى إليها عدونا هي القول بأن الإسلام غير صالح للتطبيق في الوقت الحاضر، ووجود الانحراف الجزئي أو الكلي لا يجعلنا نعيش في جهالة، إن التقصير جاء من حكام المسلمين بالدرجة الأولى وبسبب إرضائهم للغرب، فالغرب لا يريد أن يكون هناك تعليم ديني في أي بلد عربي بهدف تفريغ البلاد من محتوى الوجود الإسلامي والفكر الإسلامي والعاطفة الإسلامية، وهذا ما يجب أن ندركه تمام الإدراك.

الفرقان: ذكرتم في بداية الحوار أننا لا نستغني عن فقه المذاهب لأنه مستمد من القرآن والسنة خلافاً لما يزعم بعضهم، على ضوء ذلك، ما موقف المسلم العادي إزاء المذاهب، هل يتوجب عليه اتباع مذهب معين، أم يأخذ بالمذهب الراجح؟ أم هو غير ملزم بالأخذ عنها لأنها ليست قرآناً ولا سنة؟

د. الزحيلي: المذاهب الإسلامية ليست عقائد، وإنما هي مدارس لفهم النصوص الشرعية، وهذه المذاهب واختلاف العلماء محصور في جزئيات وفروع لا في الأسس وجوهر القضايا، وهذه المذاهب رحمة للأمة وليست نقمة، وهي سبيل لتوسعة مدارك العلماء وآرائهم، ومن قلّد عالماً لقي الله سالماً، فقد بذل أصحابها وأئمتها أقصى الجهود وهم في أشد حالات الورع والاحتياط والخوف من الله ورقابته عز وجل في أن تكون أحكامها متفقة مع أصول التشريع ومصادر الشريعة، فهذه المذاهب التي يظن أنها بضاعة أوجدها أئمتها، هذا عين الخطأ، لأنه لا يملك أحد في الدنيا - حتى الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام ما لم يوح إليه - أن يضع في شرع الله حكماً ما لم يجد عليه دليلاً. فينبغي أن نفرق بين العلماء القادرين على الاستنباط وبين غير العلماء وهم أكثر من 90% من الناس وهؤلاء من المفروض أن يلتزموا منهجاً واحداً باتباع مذهب واحد حتى لا يقعوا في الحيرة وفي التضارب أحياناً في بعض الخلافات الفقهية، وهذا هو الأسلم لهم، أما العالم فيجب عليه أن يعمل بما توصل إليه أنه الرأي الراجح والمعتمد عملاً بقوة الدليل وصحته، وحينئذ إذا أفتى العالم شخصاً بقضية فله أن يقلد هذا الرأي حتى ولو خالف أصل مذهبه، وكما يقولون ((مذهب العامي مذهب مفتيه)) وهذا إذا كانت هناك ضرورة أو حاجة. وليس المراد تتبع رخص المذاهب بحسب الأهواء وبحسب ما يميل إليه الإنسان ويحلو له ويختار من كل مذهب ما هو أنسب له، صار هذا الأمر عبثاً، والعبث في الشريعة حرام، لأن ذلك قد يؤدي إلى التحلل من أحكام الشريعة ونقض مبادئها وأصولها وقيمها، وإذا كانت هناك حاجة إلى ترك مذهب يعتقد به الإنسان وتقليد مذهب آخر فهذا لا مانع منه شرعاً، حتى تغيير المذهب أمر جائز شرعاً، فالقضية تتطلب فقط أن يكون - الذي يرشد هذا الإنسان لاتباع حكم ما - علمه صحيحاً بالحكم الذي يفتيه به، فهذه المذاهب كلها من رسول الله ملتمس، ولا يخرج منها شيء عن نطاق الشرع إلا ما قلّ وندر مثل ما نجده أحياناً في جزئيات بسيطة في الحواشي وفي التقريرات، وهذا يدل على أن كل إنسان لا يسلم من الخطأ، وما أحد معصوم إلا محمد صلى الله عليه وسلم.

الفرقان: يوجد خلط في موضوع الأصول والفروع، فهناك من يركز على الأصول وقد يهمل الفروع، وهناك من لا يعتبر بأن في الدين فروعاً بل كله أصول، كيف نفصل بين الفريقين؟

د. الزحيلي: الإسلام سمح سهل معتدل، يمنع التشدد وإيقاع الناس في الحرج والمشقة، فالتمسك في الأصول هو الأصل لكن بإدراك كل الأصول، وبعض الناس يأخذ بأصل واحد وينسى أصلاً آخر فيقع في الحرج، أما قضية الفروع، فصحيح أن بعض الناس يتمسك بكليتها وهذا أيضاً خطأ، ليست كل هذه الفروع يجب العمل بها، ينبغي أن نفرق بين ما هو شريعة وبين ما هو فقه، الشريعة - وهي الثوابت والأحكام الأساسية والأصول التي لا تقبل التغير كما ذكرت لك - هذه يجب قبولها والعمل بها، أما الفروع فمن أراد أن يلتزم بها فيجوز له ذلك، لكن إذا أردنا أن نضع نظاماً عاماً للمجتمع الإسلامي نختار من هذه الفروع ما هو أصلح لهذا الزمان أو لمعالجة قضية معينة وفي أفق محدد، حينئذ نختار ما هو مناسب وما هو أصلح بشرط ألا يخرج عن مقاصد الشريعة ولا عن أصولها ولا عن توجهاتها العامة، فإذن الأصل في الفروع أننا نعمل بها خصوصاً إذا أدركها عالم في العصر الحاضر وأدرك دليلها وصحتها فيأخذ بها، أما غير العالم فعليه أن يعمل بمقتضى ما يوجه إليه العلماء لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 16/43].

الفرقان: بعد هذا التجوال في الفقه، لو سمحتم أن ننتقل إلى محاور أخرى فنبدأ بالحديث عن المدارس الشرعية في سورية، فهل لكم أن تعطوننا فكرة عنها؟ وما هو دورها في تنشئة الجيل المسلم في سورية؟

د. الزحيلي: هذه المدارس قليلة جداً لأن التعليم الأصلي كما يسمونه هو المهيمن والذي تؤيده الدولة وتتبنى مناهجه، فبقيت هذه الزاوية الصغيرة وهي هذه المدارس الشرعية التي تغطي الحاجة لمعرفة أحكام هذه الشريعة، فالقائمون عليها مخلصون وأكفياء ويعلمون الناس الفقه والعقيدة والتفسير والحديث وبعض الأنظمة الحديثة التي يحتاج إليها المسلم في الوقت الحاضر، فهي تؤدي هذا الدور الجزئي وليس هو الأساسي، ونحن ضُربنا حينما جعلوا التعليم منهجين أو طريقتين، طريقة التعليم الشرعي في عهد رفاعة الطهطاوي وحملة الثقافة الحديثة مثل طه حسين وغيره الذين قالوا بالفصل بين التعليم الشرعي والتعليم العصري فأدى ذلك إلى أن يكون التعليم الشرعي مهملاً في الواقع وكأنهم جعلوا المسلمين فريقين، وأغلب الناس يجهلون الأحكام الإسلامية، وما يدرس لهم إنما هي نتف بسيطة في المدارس الحكومية والعادية، وحينئذ بقيت هذه المدارس الشرعية تؤدي دوراً محدوداً جداً ويؤمها أناس أغلبهم فقراء وهم لمحبتهم في دينهم وتمسكهم بشرعهم تراهم يعكفون على هذه الدراسة، ولكنها ما تزال تحتاج إلى تنشيط وتقوية، فالأصل أن يؤم هذه المدارس كل المسلمين وأن يكون التعليم واحد لا مزدوجاً كما هو عليه وضع التعليم في كل البلاد العربية والإسلامية، في طعنة موجهة لصلب التعليم جاءتنا من هؤلاء الذين تثقفوا بثقافة الغرب وفي أوروبا وفرنسا بالذات، وهي أيضاً مظهر من مظاهر الاستعمار الثقافي، وهذا الفصل بين التعليمين عين الضلال وعين الفرقة، فالمسلم مسلم لا يتجزأ، عليه أن يعرف أحكام دينه في هذه المدارس وفي غيرها، وللأسف فإن الفئة الطاغية تتركز في التعليم الحر والمدني والمقبلون على التعليم الشرعي قلة في سورية.

الفرقان: ذكرتم بعض مظاهر الاستعمار الثقافي والتآمر على التعليم الشرعي، وهذا ما يجعلنا نقول أيضاً أن ثمة اختلالاً في ميزان الأولويات، وهناك مفارقات عجيبة كتغليب الفن والترفيه على العلم والتعليم مثلاً، فيصبح دور العالم باهتاً خافتاً، ماذا نقول في ذلك؟

د. الزحيلي: هناك معطيات حديثة تعد وسائل تدمير لكيان هذه الأمة وأخلاقها وتقويض بنيتها، وهدم بنية الفكر الإسلامي وذلك بنشر الفوضوية والإلحاد والزندقة والإباحية والانحلال وكثير من عيوب العصر الحديثة وتحديات القنوات والبرامج التي تعرض الأفلام الغريزية والجنسية حتى ما يسمى تحت نطاق العولمة، فأنا أهيب بالشباب أن يدركوا مخاطر هذا التوجه الذي يهدف إلى تحقيق مصالح وهيمنة أصحاب الفكر اللاديني الذين يسعون لتقويض أركان ديننا على حساب العالم الإسلامي.

الفرقان: ذكرتم الشباب، هل من كلمة توجهونها للشباب المسلم خصوصاً وهو يترسم خطى الأولين في ظل هذا المعترك الشائك من التيارات الفكرية المتعددة؟

د. الزحيلي: أنا أريد من كل شاب مسلم وفتاة مسلمة أن يلتزموا بشرع الله ودينه، ويقبلوا على تلاوة القرآن وتفهم أحكامه، والتخلق بأخلاق النبي المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، وأن يتعرضوا بالإضافة إلى ذلك - إلى كل ما تقدمه الثقافة المعاصرة ليعيشوا عصرهم فيجمعوا بين الثقافتين وبالتالي يدركوا ما ينبغي عليهم أن يفعلوه في العصر الحاضر، فالشباب المسلم الآن في غربة وفي متاهة وهم يعيشون حيارى وذلك بسبب عقد الحياة المستعصية وتوجهاتها المظلمة وأنشطتها غير المعروفة الهدف ولا الغاية، فعلى الشاب المسلم - حيث تساعده هذه الظروف - أن يحاول بناء شخصيته الفكرية والثقافية والاجتماعية على المناهج الإسلامية المعتدلة، ويدرك مخاطر هذه التيارات الخبيثة التي تمثلها الآن قوى الاستكبار العالمي وقوى الشر والظلم والعدوان، ويعمل بما في وسعه {فَاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 64/16]، يطبق ذلك على نفسه وأسرته وجيرانه وأصدقائه كلما أمكنه ذلك، ثم إننا يمكن أن نعيش وفق هذه المناهج والسياسات المرسومة لنا دون أن ننحرف عن الخط الإسلامي الأصيل، والرسول ذكر أن الفرقة الناجية هي ما أنا عليه وأصحابي.

الفرقان: أخيراً وليس آخراً، ما هو آخر إنتاجكم العلمي؟

د. الزحيلي: طبعت لي - مؤخراً - كتب ثلاثة أولها: المعاملات المالية المعاصرة في (700) صفحة، وتضمن القسم الثاني من هذا الكتاب فتاوى معاصرة، خصوصاً أن لي موقعاً على الإنترنت وتردني أسئلة كثيرة وأجيب عليها، وقد بلغت هذه الفتاوى أكثر من (300) فتوى، وهناك كتاب آخر هو (رؤى إسلامية) وهو مضمون حواراتي مع الصحافة كحوارك الآن معي، وكتاب ثالث من مجلدين هو (خلق المسلم) وأذعته في الإذاعة السورية، فهذه كتب مطبوعة وتنتظر الإفساح عنها بموافقة الرقابة.

الفرقان: جزاكم الله خيراً، وأثابكم الله.

حاوره: أحمد أبو عمر

الفرقان

العدد الحادي والعشرون

صفحة (13)