مقدمة

 

كلمة الشهـر

نيسان /أبريل 2001

أمـلــي ومـشـاعــري 

تجاه زيارة قداسة البابا يوحنا بولس الثاني

للقطر العربي السوري في مايس (أيار) 2001م

 

قليل أولئك الذين ينصفون الحقائق العلمية ولا يحاولون طمس معالمها، ويحترمون تاريخ أمتهم ولايعبثون بوقائعه الدامغة، ويوفقون في تقدير الأمور وتقييمها، لترفعهم عن الأهواء والأحقاد والنزوات والعنعنات، واستجابتهم لشرف انتمائهم لأمتهم وحضارتهم، والاعتزاز بوطنهم، ورصد كل طاقاتهم للحفاظ على كرامة الوطن وعزته والدفاع عن عرينه، بل والانطلاق من شفافية الشعور الإنساني المشترك والرفيع المستوى، وإعلان كلمة الحق والعدل، والعمل على إشاعة روح المحبة والطمأنينة، وترسيخ صرح السلام والأمن والاستقرار في ربوع العالم، واحترام حقوق الإنسان في الحرية والعدالة والمساواة واقعياً لامجرد شعارات وكلمات جوفاء.

ولعل من هؤلاء قداسة البابا يوحنا بولس الثاني الذي تميز عهده بنشاطه العام بين مختلف الأمم والدول والشعوب الشرقية والغربية، وكانت له كلمات موجزة معبرة عن حقيقة التدين، وإعلان كلمة الحق، واحترام العدل، وشجب العنف والوحشية، ومقاومة تدمير الحضارة، وسلب شعب الوطن حقه في الحرية والحياة الكريمة وتقرير المصير، وإنصاف الضعفاء والمستضعفين أمام قوى البطش والتدمير والتشريد وتجريد الإنسان من حقه الطبيعي، ومحاولة طمس الحقائق وتشويه التاريخ، وقلب معايير العدل والإنصاف، ومعاملة فاقدي القوة والسلاح بأقسى وأبشع جرائم الوحشية والدمار، كهؤلاء الصهاينة الذين يعبثون بالقيم الإنسانية العليا، ويعتمدون على قوة أمريكا، ومساندة الغرب، وظلم المسلمين في أي مكان.

إنني والكثير من شعبنا السوري وحكومته ومؤسساته يرحبون بزيارة قداسة البابا يوحنا بولس الثاني في أيار (مايو) 2001م لبلاد الشام ودمشق الفيحاء أقدم وأعرق بلد في التاريخ، ومقر الحضارات والدول المتعاقبة قبل ظهور الإسلام وبعده إبان الخلافة الأموية وما تلاها من خلافات عظيمة تنظر إلى الشام نظرة حب وتقدير وتمجيد ورعاية وعناية.

لعل هذه الزيارة تترك بصمات معبرة عن روح الإخاء في العالم، وتحرص على احترام حق ذوي الحقوق، وتسهم في إشاعة وتوطيد دعائم السلم والأمن والاستقرار في المنطقة، ولاسيما في أنحاء بلاد السورية واللبنانية والأردنية والمصرية وغيرها من الدول العربية التي تهددها الطغمة العسكرية في دولة إسرائيل. وكذلك تعمل على رفع ألوان المعاناة من الحصار الظالم لشعب العراق وأطفاله وشيوخه ونسائه الذين تحملوا الكثير من الويلات في حصار دام عشر سنوات وما يزال في العقد الأخير من القرن العشرين.

إنني أيضاً أقدِّر عالياً ما خطَّته أنامل الصديق العزيز الدكتور جورج جبور في رسالته إلى قداسة البابا بمناسبة الذكرى التسعمائة لإعلان حروب الفرنجة (الحروب الصليبية) حيث تميزت هذه الرسالة بالنظرة الموضوعية الأمينة والعادلة لهذه الحروب، من خلال الانصياع لسلطان الحق والعدل وتقرير الحقائق التاريخية بتجرد ومنطق ورصد تاريخي صحيح ومشرف، كما تميزت بالنظرة الإنسانية المعبرة عن حقيقة ومطامح وجود الإنسان في هذا العالم، ولاسيما الإنسان المتدين المتخلق بالأخلاق الكريمة، والمشفق على ملايين البشر الذين تطحنهم دول الاستكبار العالمي وفي طليعتهم الآن أمريكا (الولايات المتحدة الأمريكية) الذين أعلنوا في كل مناسبة في الماضي والحاضر أن ((القوة فوق الحق)) وهو منطق ربيبتهم إسرائيل.

وتميزت الرسالة للدكتور جبور بميزة ثالثة هي التوجه الأمين والمنصف في تحليل بواعث الحروب الصليبية، وانحرافها في الواقع عن خطتها الأصلية، مما أدى إلى تعثرها وفشلها، وتحطيم كبرياء ملوكها وقادتها الفرنجة، ولحاق الهزيمة المنكرة بجيوشها المتلاحقة لمدة قرنين من الزمان أطول فترة حروب في العالم، وما خلَّفته من آثار الدمار والوحشية وإسالة دماء مئات الألوف من سكان أرض فلسطين العربية الأبية، والتي تشرف بأنها تنبذ في كل زمان تدخلات الأعداء المحتلين، ثم تنتصر في نهاية المطاف.

إن رسالة الدكتور جبور بالرغم من اختصارها تعبر بأمانة وشرف وموضوعية عن عزة انتمائه للأمة العربية، والتمسك بمصالح وطنه المفدى، والدفاع عن حقوقه ومقدساته التي يحاول الصهاينة والغربيون العصف بها والاستعلاء عليها وتلويث قدسيتها، سواء في القدس الشريف مهد الديانات والنبوات ومدينة السلام والأمان أو في غيرها كشبه جزيرة البلقان وكشمير وبعض دول القارة الإفريقية.

لقد عبرت هذه الرسالة بمصداقية وتأريخ أمين لما يعانية العالم العربي والإسلامي في الماضي والحاضر من غطرسة الغرب المتجبر المعاصر، وغليان دماء الحقد وإحساسات وقلوب الكثيرين من رعاياه المشحونة بدوافع الكراهية والبغضاء والعنصرية والتعصب المقيت، والمعلن عنه بكل وقاحة وبُعْد عن الحياء، على ألسنة بعض كبار رؤساء حكوماته ومؤسساته وقادة معسكره، وعلى سبيل المثال ما صنعته سياسة أمريكا وأوربا في البلقان، وتجزئة مناطق بلاد البوسنة، وسلب الكثير من حقوق أهلها وجعلهم تحت سيطرة الصرب، وتهميش نفوذهم، وإضعاف كيانهم، وسلب نصف بلادهم.

والماضي القريب زاد الحاضر الذي نعاني منه الآن، فقد كشفت رسالة الدكتور جبور عن مزيد المرارة والاشمئزاز والسخط والاستغراب من تصريحات الجنرال الفرنسي غورو بعد بداية استعمار سورية عام 1920 أمام ضريح البطل صلاح الدين الأيوبي الذي حطم كبرياء قادة الغرب في الحروب الصليبية، ونذالة هذا الجنرال أمام القبر العظيم ومخاطبة صاحبه وهو الطود الشامخ في كل زمان: ((هاقد عدنا يا صلاح الدين)) يدفعه لهذا اعتزازه وتصريحه الدائم بأنه صليبي.

وكذلك في عام 1917 حينما احتل اللورد اللنبي البريطاني مدينة القدس وإظهار مدى إيذائه الشديد لمشاعر أبناء البلاد والعالم الإسلامي برمته حين صرح قائلا: ((الآن انتهت الحروب الصليبية)).

وعبّر قائد جيش إسرائيل موش ديان عام 1967 عن مثل هذه الأحقاد الدفينة ومعاداة الشعب العربي كله، وقوله معبراً عن مطامع الصهاينة على حدود الأردن: إلى خيبر فيما بعد.

إننا نحن المتدينين ومنا قداسة البابا يوحنا الذي يزور بلادنا العزيزة والتي نفديها بكل غال ونفيس، ولابد من أن نطهر بمشيئة الله أرض فلسطين كلها: نقرر دائماً تمسكنا بأصول الحق والعدل والحرية والمساواة وإنصاف الشعوب المقهورة أو المستضعفة. ونعمل من أجل توطيد دعائم الأمن والسلام والاستقرار، وإشاعة روح الإخاء والمحبة والتعاون بين بني الإنسان في كل مكان.

ومقتضى هذا التقرير والإعلان المتكرر أن تظهر فينا دائماً المصداقية والصراحة والبعد عن المواقف الازدواجية، والإيمان بمساندة أهل الحق، وهذا يتطلب منا ولاسيما قداسة البابا الذي يتمتع بصفة رئيس دولة الفاتيكان أيضاً أن نصرح للعالم كله بشجب موجات الحروب الصليبية وما خلّفته من آثار بغيضة في العالم العربي والإسلامي، وكذلك ما تفعله الحكومات المتعاقبة في إسرائيل من أعمال وحشية همجية ضد العرب السكان الأصليين في فلسطين، وأن على قادة الغرب والشرق التخلي عن مؤازرة هذا الكيان الصهيوني العنصري سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، فإن الطامة الكبرى تنشأ من هذه المؤازرة والدعم المتواصل بمختلف ألوان المساندة والمعاونة، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.